تفسير سوره هود والقصص التى وردت فيها والدروس المستفاده منها

اعلان اول الموضوع

اعلان وسط الموضوع

إعلان اخر الموضوع

  • العرض

تفسير سوره هود والقصص التى وردت فيها والدروس المستفاده منها







 هذا الدرس الأول من السورة يمثل المقدمة ـ التي يتوسط القصص بينها وبين التعقيب ـ وهي تتضمن عرض الحقائق الأساسية في العقيدة الإسلامية: توحيد الدينونة لله الواحد بلا منازع، وعبادة الله وحده بلا شريك؛ والإعتقاد في البعث والقيامة للحساب والجزاء على ما كان من الناس من عمل وكسب في دار العمل والإبتلاء.. مع تعريف الناس بربهم الحق؛ وصفاته المؤثرة في وجودهم وفي وجود الكون من حولهم؛ وبيان حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، ومقتضاهما في حياة البشرية. وتوكيد الدينونة لله في الآخرة كالدينونة له سبحانه في الحياة الدنيا. 

كذلك تتضمن هذه المقدمة بياناً لطبيعة الرسالة وطبيعة الرسول؛ كما تتضمن تسلية وترويحاً للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وجه العناد والتكذيب، والتحدي والمكابرة، التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يواجهها في الفترة العصيبة في حياة الدعوة بمكة، كما أسلفنا في التعريف بالسورة. مع تحدي المشركين بهذا القرآن الذي يكذبون به، أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ـ كما يزعمون أن هذا القرآن مفترى ـ وتثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقلة المؤمنة معه بهذا التحدي من الله وبذلك العجز من المشركين! 

ومع هذا التحدي تهديد قاصم للمكذبين بما ينتظرهم في الآخرة من العذاب الذي يستعجلون به ويكذبون. وهم الذين لا يطيقون أن تنزع منهم رحمة الله في الدنيا، ولا يصبرون على ابتلائه فيها وهو أيسر من عذاب الآخرة! 

ثم يجسم هذا التهديد في مشهد من مشاهد القيامة؛ يتمثل فيه موقف المكذبين بهذا القرآن من أحزاب المشركين؛ ويتبين فيه عجزهم وعجز أوليائهم عن إنقاذهم من العذاب الأليم، المصحوب بالخزي والتشهير والتنديد والتأنيب. وفي الصفحة المقابلة من المشهد.. الذين آمنوا وعملوا الصالحات وما ينتظرهم من الثواب والنعيم والتكريم.. ومشهد مصور للفريقين ـ على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير ـ: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع، هل يستويان مثلاً؟ افلا تذكرون؟}.. 

{الۤر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ألا تعبدوا إلا الله، إنني لكم منه نذير وبشير، وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمى، ويؤت كل ذي فضل فضله، وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير. إلى الله مرجعكم. وهو على كل شيء قدير}.. 

إنها جملة الحقائق الإعتقادية الأساسية: 

* إثبات الوحي والرسالة. 

* العبودية لله وحده بلا شريك. 

* جزاء الله في الدنيا والآخرة لمن يهتدون بهداه ويتبعون منهجه للحياة. 

* جزاء الله في الآخرة للمكذبين، وعودة الجميع إلى الله عصاة وطائعين. 

* قدرته المطلقة وسلطانه غير المحدود. 

{ألف. لام. راء}: مبتدأ، خبره: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}.. وهذا الكتاب المؤلف من مثل هذه الأحرف هو الذي يكذبون به. وهم عن شيء من مثله عاجزون! 

{كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}.. 

أحكمت آياته، فجاءت قوية البناء، دقيقة الدلالة، كل كلمة فيها وكل عبارة مقصودة، وكل معنى فيها وكل توجيه مطلوب، وكل إيماءة وكل إشارة ذات هدف معلوم. متناسقة لا اختلاف بينها ولا تضارب، ومنسقة ذات نظام واحد. ثم فصلت. فهي مقسمة وفق أغراضها، مبوبة وفق موضوعاتها، وكل منها له حيز بمقدار ما يقتضيه. 

أما من أحكمها، ومن فصلها على هذا النحو الدقيق؟ فهو الله سبحانه، وليس هو الرسول: 

{من لدن حكيم خبير}.. 

يحكم الكتاب عن حكمة، ويفصله عن خبرة.. هكذا جاءت من لدنه، على النحو الذي أنزل على الرسول، لا تغيير فيها ولا تبديل. 

وماذا تضمنت؟ 

إنه يذكر أمهات العقيدة وأصولها: 

{أن لا تعبدوا إلا الله}.. فهو توحيد الدينونة والعبودية والاتباع والطاعة. 

{إنني لكم منه نذير وبشير}.. فهي الرسالة، وما تضمنته من نذارة وبشارة. 

{وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}.. فهي العودة إلى الله من الشرك والمعصية، إلى التوحيد والدينونة. 

{يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله}... فهو الجزاء للتائبين المستغفرين. 

{وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير}.. فهو الوعيد للمتولين. 

{إلى الله مرجعكم}.. فهي الرجعة إلى الله في الدنيا والآخرة. 

{وهو على كل شيء قدير}.. فهي القدرة المطلقة والسلطان الشامل. 

هذا هو الكتاب. أو هو آيات الكتاب. فهذه هي القضايا الهامة التي جاء ليقررها ويقيم عليها بناءه كله بعد تقريرها.

وما كان لدين أن يقوم في الأرض، وأن يقيم نظاماً للبشر، قبل أن يقرر هذه القواعد. 

فتوحيد الدينونة لله وحده هو مفرق الطريق بين الفوضى والنظام في عالم العقيدة؛ وبين تحرير البشرية من عقال الوهم والخرافة والسلطان الزائف، أو استعبادها للأرباب المتفرقة ونزواتهم، وللوسطاء عند الله من خلقه! وللملوك والرؤساء والحكام الذين يغتصبون أخص خصائص الألوهية ـ وهي الربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية ـ فيعبّدون الناس لربوبيتهم الزائفة المغتصبة. 

وما من نظام اجتماعي او سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي أو دولي، يمكن أن يقوم على أسس واضحة فاصلة ثابتة، لا تخضع للهوى والتأويلات المغرضة، إلا حين تستقر عقيدة التوحيد هكذا بسيطة دقيقة. 

وما يمكن أن يتحرر البشر من الذل والخوف والقلق؛ ويستمتعوا بالكرامة الحقيقية التي أكرمهم بها الله، إلا حين يتفرد الله سبحانه بالربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية، ويتجرد منها العبيد في كل صورة من الصور. 

وما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهلية والإسلام؛ ولا كانت المعركة بين الحق والطاغوت، على ألوهية الله ـ سبحانه ـ للكون؛ وتصريف أموره في عالم الأسباب والنواميس الكونية: إنما كان الخلاف وكانت المعركة على من يكون هو رب الناس، الذي يحكمهم بشرعه، ويصرفهم بأمره، ويدينهم بطاعته؟ 

لقد كان الطواغيت المجرمون في الأرض يغتصبون هذا الحق ويزاولونه في حياة الناس، ويذلونهم بهذا الإغتصاب لسلطان الله، ويجعلونهم عبيداً لهم من دون الله. وكانت الرسالات والرسل والدعوات الإسلامية تجاهد دائماً لانتزاع هذا السلطان المغتصب من أيدي الطواغيت ورده إلى صاحبه الشرعي.. الله سبحانه.. 

والله ـ سبحانه ـ غني عن العالمين. لا ينقص في ملكه شيئاً عصيان العصاة وطغيان الطغاة. ولا يزيد في ملكه شيئاً طاعة الطائعين وعبادة العابدين.. ولكن البشر ـ هم أنفسهم ـ الذين يذلون ويصغرون ويسفلون حين يدينون لغير الله من عباده؛ وهم الذين يعزون ويكرمون ويستعلون حين يدينون لله وحده، ويتحررون من العبودية للعبيد.. ولما كان الله ـ سبحانه ـ يريد لعباده العزه والكرامة والإستعلاء فقد أرسل رسله ليردوا الناس إلى عبادة الله وحده. وليخرجوهم من عبادة العبيد.. لخيرهم هم أنفسهم.. والله غني عن العالمين.

إن الحياة البشرية لا تبلغ مستوى الكرامة الذي يريده الله للإنسان إلا بأن يعزم البشر أن يدينوا لله وحده، وأن يخلعوا من رقابهم نير الدينونة لغير الله. ذلك النير المذل لكرامة الإنسان في أية صورة قد كان! 

والدينونة لله وحده تتمثل في ربوبيته للناس وحده. والربوبية تعني القوامة على البشر، وتصريف حياتهم بشرع وأمر من عند الله، لا من عند أحد سواه. 

وهذا ما يقرر مطلع هذه السورة الكريمة أنه موضوع كتاب الله وفحواه: 

{كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير: ألا تعبدوا إلا الله}.. 

وهذا هو معنى العبادة كما يعرفه العرب في لغتهم التي نزل بها كتاب الله الكريم. 

والإقرار بالرسالة أساس للتصديق بهذه القضايا التي جاءت الرسالة لتقريرها. وكل شك في أن هذا من عند الله، كفيل بتحطيم احترامها الملزم في عالم الضمير. والذين يظنون أنها من عند محمد ـ مهما أقروا بعظمة محمد ـ لا يمكن أن تنال من نفوسهم الإحترام الملزم، الذي يتحرجون معه أن يتفلتوا منها في الكبير أو الصغير.. إن الشعور بأن هذه العقيدة من عند الله هو الذي يطارد ضمائر العصاة حتى يثوبوا في النهاية إلى الله، وهو الذي يمسك بضمائر الطائعين، فلا تتلجلج ولا تتردد ولا تحيد. 

كما أن الإقرار بالرسالة هو الذي يجعل هناك ضابطاً لما يريده الله من البشر. كي يتلقى البشر في كل ما يتعلق بالدينونة لله من مصدر واحد، هو هذا المصدر. وكي لا يقوم كل يوم طاغوت مفتر يقول للناس قولاً، ويشرع للناس شرعاً، ثم يزعم أنه شرع الله وأمره! بينما هو يفتريه من عند نفسه! 

وفي كل جاهلية كان يقوم من يشرع الشرائع، ومن يقرر القيم والتقاليد والعادات.. ثم يقول: هذا من عند الله!! 

وما يحسم هذه الفوضى وهذا الإحتيال على الناس باسم الله، إلا أن يكون هناك مصدر واحد ـ هو الرسول ـ لقول الله. 

والإستغفار من الشرك والمعصية هو دليل حساسية القلب وانتفاضه، وشعوره بالإثم ورغبته في التوبة. والتوبة بعد ذلك هي الإقلاع الفعلي عن الذنب، والأخذ في مقابله في أعمال الطاعة. ولا توبة بغير هذين الدليلين، فهما الترجمة العملية للتوبة، وبهما يتحقق وجودها الفعلي، الذي ترجى معه المغفرة والقبول.. فإذا زعم زاعم أنه تاب من الشرك ودخل في الإسلام، بينما هو لا يدين لله وحده، ولا يتلقى منه وحده عن طريق نبيه؛ فلا قيمة لهذا الزعم الذي يكذبه واقع الدينونة لغير الله.. 

والبشرى للتائبين والوعيد للمتولين هما قوام الرسالة، وقوام التبليغ. وهما عنصرا الترغيب والترهيب، اللذان علم الله من طبيعة البشر أنهما الحافز القوي العميق!.. 

والإعتقاد باليوم الآخر ضروري لاكتمال الشعور بأن وراء الحياة حكمة، وأن الخير الذي تدعو إليه الرسالات هو غاية الحياة؛ ومن ثم لا بد أن يلقى جزاءه؛ فإن لم يلقه في هذه الحياة الدنيا فجزاؤه مضمون في العالم الآخر، الذي تصل فيه الحياة البشرية إلى الكمال المقدر لها. أما الذين يزيغون عن نهج الله وحكمته في الحياة فهؤلاء يرتكسون و ينتكسون إلى درك العذاب.. وفي هذا ضمان للفطرة السليمة ألا تنحرف. فإن غلبتها شهوة أو استبد بها ضعف عادت تائبة، ولم تلج في العصيان. ومن ثم تصلح هذه الأرض لحياة البشر. وتمضي الحياة على سنتها في طريق الخير. فالإعتقاد باليوم الآخر ليس طريقاً للثواب في الآخرة فحسب ـ كما يعتقد بعض الناس ـ إنما هو الحافز على الخير في الحياة الدنيا. والحافز على إصلاحها وإنمائها. على أن يراعى في هذا النماء أنه ليس هدفاً في ذاته، إنما هو وسيلة لتحقيق حياة لائقة بالإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه، وكرمه على كثير من خلقه، ورفعه عن درك الحيوان؛ لتكون أهداف حياته أعلى من ضرورات الحيوان؛ ولتكون دوافعه وغاياته أرفع من دوافع الحيوان وغاياته. 

ومن ثم كان مضمون الرسالة أو مضمون آيات الكتاب المحكمة المفصلة، بعد توحيد الدينونة لله، وإثبات الرسالة من عنده.. الدعوة إلى الإستغفار من الشرك والتوبة.. وهما بدء الطريق للعمل الصالح. والعمل الصالح ليس مجرد طيبة في النفس وشعائر مفروضة تقام. إنما هو الإصلاح في الأرض بكل معاني الإصلاح، من بناء وعمارة ونشاط ونماء وإنتاج. والجزاء المشروط: 

{يمتعكم متاعا حسناً إلى أجل مسمى، ويؤت كل ذي فضل فضله}..

والمتاع الحسن قد يكون بالنوع كما يكون بالكم في هذه الحياة الدنيا. أما في الآخرة فهو بالنوع والكم وبما لم يخطر على قلب بشر. فلننظر في المتاع الحسن في هذه الحياة. 

إننا نشاهد كثيراً من الطيبين الصالحين، المستغفرين التائبين، العاملين في الحياة.. مضيقاً عليهم في الرزق. فأين إذن هو المتاع الحسن؟ 

وهو سؤال نعتقد أنه يتحرك على ألسنة الكثيرين! 

ولا بد لإدراك المعنى الكبير الذي يتضمنه النص القرآني أن ننظر إلى الحياة من زاوية أوسع، وننظر إليها في محيطها الشامل العام، ولا نقتصر منها على مظهر عابر. 

إنه ما من جماعة يسود فيها نظام صالح، قائم على الإيمان بالله، والدينونة له وحده، وإفراده بالربوبية والقوامة، وقائم على العمل الطيب المنتج في الحياة.. إلا كان لها التقدم والرخاء والحياة الطيبة بصفة عامة كجماعة؛ وإلا ساد فيها العدل بين الجهد والجزاء والرضى والطمأنينة بالقياس إلى الأفراد بصفة خاصة. فإذا شاهدنا في جماعة ما أن الطيبين العاملين المنتجين مضيق عليهم في الرزق والمتاع الطيب، فذلك شاهد على أن هذه الجماعة لا يسودها النظام المستمد من الإيمان بالله، القائم على العدل بين الجهد والجزاء. 

على أن الأفراد الطيبين الصالحين المنتجين في هذه الجماعة يمتعون متاعاً حسناً، حتى لو ضيق عليهم في الرزق، وحتى لو كانت الجماعة تطاردهم وتؤذيهم، كما كان المشركون يؤذون القلة المؤمنة، وكما تؤذي الجاهليات القلة الداعية إلى الله. وليس هذا خيالاً وليس ادعاء. فطمأنينة القلب إلى العاقبة، والإتصال بالله، والرجاء في نصره وفي إحسانه وفضله.. عوض عن كثير؛ ومتاع حسن للإنسان الذي يرتفع درجة عن الحس المادي الغليظ. 

ولا نقول هذا لندعو المظلومين الذين لا يجدون جزاء عادلاً على جهدهم إلى الرضى بالأوضاع المنافية للعدالة. فالإسلام لا يرضى بهذا، والإيمان لا يسكت على مثل تلك الأوضاع. والجماعة المؤمنة مطالبة بإزالتها وكذلك الأفراد، ليتحقق المتاع الحسن للطيبين العاملين المنتجين. إنما نقوله لأنه حق يحس به المؤمنون المتصلون بالله، المضيق عليهم في الرزق، وهم مع هذا يعملون ويجاهدون لتحقيق الأوضاع التي تكفل المتاع الحسن لعباد الله المستغفرين التائبين بهدى الله. 

{ويؤت كل ذي فضل فضله}.. 

خصصها بعض المفسرين بجزاء الآخرة. وأرى أنها عامة في الدنيا والآخرة، على النحو الذي فسرنا به المتاع الحسن في الدنيا؛ وهو متحقق في جميع الأحوال. وذو الفضل يلقى جزاءه في اللحظة التي يبذل فيها الفضل. يجده رضى نفسياً وارتياحاً شعورياً، واتصالاً بالله وهو يبذل الفضل عملاً أو مالاً متجهاً به إلى الله. أما جزاء الله له بعد ذلك فهو فضل من الله وسماحة فوق الجزاء. 

{وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير}.. 

هو عذاب يوم القيامة. لا عذاب يوم بدر كما يقول بعض المفسرين. فاليوم الكبير حين يطلق هكذا ينصرف إلى اليوم الموعود. ويقوي هذا ما بعده: 

{إلى الله مرجعكم}. 

وإن كان المرجع إلى الله في الدنيا والآخرة وفي كل لحظة وفي كل حالة. ولكن جرى التعبير القرآني على أن المرجع هو الرجعة بعد الحياة الدنيا.. 

{وهو على كل شيء قدير}.. 

وهذه كذلك تقوّي هذا المعنى، لأن التلويح بالقدرة على كل شيء، مناسب للبعث الذي كانوا يستبعدونه ويستصعبونه! 

وبعد إعلان خلاصة الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.. يمضي السياق يعرض كيف يتلقى فريق منهم تلك الآيات، عندما يقدمها لهم النذير البشير، ويصور الوضع الحسي الذي يتخذونه والحركة المادية المصاحبة له وهي إحناء رؤوسهم وثني صدورهم للتخفي. ويكشف عن العبث في تلك المحاولة وعلم الله يتابعهم في أخفى أوضاعهم؛ وكل دابة في الأرض مثلهم يشملها العلم اللطيف الدقيق: 

{ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه. ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون، إنه عليم بذات الصدور. وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها. كل في كتاب مبين}.. 

والآيتان الكريمتان تستحضران مشهداً فريداً ترجف له القلوب حين تتدبره وتتصوره! 

ويا لها من رهبة غامرة، وروعة باهرة، حين يتصور القلب البشري حضور الله ـ سبحانه ـ وإحاطة علمه وقهره؛ بينما أولئك العبيد الضعاف يحاولون الإستخفاء منه وهم يواجهون آياته يتلوها رسوله: 

{ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه. ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون. إنه عليم بذات الصدور}.. 

ولعل نص الآية إنما يصور حالة واقعة كانت تصدر من المشركين ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسمعهم كلام الله؛ فيثنون صدورهم ويطأطئون رؤوسهم إستخفاء من الله الذي كانوا يحسون في أعماقهم أنه قائل هذا الكلام.. وذلك كما ظهر منهم في بعض الأحيان! 

ولا يكمل السياق الآية حتى يبين عبث هذه الحركة، والله، الذي أنزل هذه الآيات، معهم حين يستخفون وحين يبرزون. ويصور هذا المعنى ـ على الطريقة القرآنية ـ في صورة مرهوبة، وهم في موضع خفي دقيق من أوضاعهم. حين يأوون إلى فراشهم، ويخلون إلى أنفسهم، والليل لهم ساتر، وأغطيتهم لهم ساتر. ومع ذلك فالله معهم من وراء هذه الأستار حاضر ناظر قاهر. يعلم في هذه الخلوه ما يسرون وما يعلنون: 

{ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون}.. 

والله يعلم ما هو أخفى. وليست أغطيتهم بساتر دون علمه. ولكن الإنسان يحس عادة في مثل هذه الخلوة أنه وحيد لا يراه أحد. فالتعبير هكذا يلمس وجدانه ويوقظه، ويهزه هزة عميقة إلى هذه الحقيقة التي قد يسهو عنها، فيخيل إليه أن ليس هناك من عين تراه! 

{إنه عليم بذات الصدور}.. 

عليم بالأسرار المصاحبة للصدور، التي لا تفارقها، والتي تلزمها كما يلزم الصاحب صاحبه، أو المالك ملكه.. فهي لشدة خفائها سميت ذات الصدور. ومع ذلك فالله بها عليم.. وإذن فما من شيء يخفى عليه، وما من حركة لهم أو سكنة تذهب أو تضيع. 

{وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها؛ كل في كتاب مبين}.. 

وهذه صورة أخرى من صور العلم الشامل المرهوب.. هذه الدواب ـ وكل ما تحرك على الأرض فهو دابة من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة. ما من دابة من هذه الدواب التي تملأ وجه البسيطة، وتكمن في باطنها، وتخفى في دروبها ومساربها. ما من دابة من هذه الدواب التي لا يحيط بها حصر ولا يكاد يلم بها إحصاء.. إلا وعند الله علمها. وعليه رزقها، وهو يعلم أين تستقر وأين تكمن. من أين تجيء وأين تذهب.. وكل منها. كل من أفرادها مقيد في هذا العلم الدقيق. 

إنها صورة مفصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات، يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصورها بخياله الإنساني فلا يطيق.

ويزيد على مجرد العلم، تقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا الحشد الذي يعجز عن تصوره الخيال. وهذه درجة أخرى، الخيال البشري عنها أعجز إلا بإلهام من الله.. 

وقد أوجب الله ـ سبحانه ـ على نفسه مختاراً أن يرزق هذا الحشد الهائل الذي يدب على هذه الأرض. فأودع هذه الأرض القدرة على تلبية حاجات هذه المخلوقات جميعاً، وأودع هذه المخلوقات القدرة على الحصول على رزقها من هذا المودع في الأرض في صورة من صوره. ساذجاً خامة، أو منتجاً بالزرع، أو مصنوعاً، أو مركباً.. إلى أخر الصور المتجددة لإنتاج الرزق وإعداده. حتى إن بعضها ليتناول رزقه دماً حياً مهضوماً ممثلاً كالبعوضة والبرغوث!! 

وهذه هي الصورة اللائقة بحكمة الله ورحمته في خلق الكون على الصورة التي خلقه بها؛ وخلق هذه المخلوقات بالإستعدادات والمقدرات التي أوتيتها. وبخاصة الإنسان. الذي استخلف في الأرض، وأوتي القدرة على التحليل والتركيب، وعلى الإنتاج والإنماء، وعلى تعديل وجه الأرض، وعلى تطوير أوضاع الحياة؛ بينما هو يسعى لتحصيل الرزق، الذي لا يخلقه هو خلقاً، وإنما ينشئه مما هو مذخور في هذا الكون من قوى وطاقات أودعها الله؛ بمساعدة النواميس الكونية الإلهية التي تجعل هذا الكون يعطي مدخراته وأقواته لكافة الأحياء! 

وليس المقصود ان هناك رزقاً فردياً مقدراً لا يأتي بالسعي، ولا يتأخر بالقعود، ولا يضيع بالسلبية والكسل، كما يعتقد بعض الناس! وإلا فأين الأسباب التي أمر الله بالأخذ بها، وجعلها جزءاً من نواميسه؟ وأين حكمة الله في إعطاء المخلوقات هذه المقدرات والطاقات؟ وكيف تترقى الحياة في مدارج الكمال المقدر لها في علم الله، وقد استخلف عليها الإنسان ليؤدي دوره في هذا المجال؟ 

إن لكل مخلوق رزقاً. هذا حق. وهذا الرزق مذخور في هذا الكون. مقدر من الله من سننه التي ترتب النتاج على الجهد. فلا يقعدن أحد عن السعي وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. ولكن السماء والأرض تزخران بالأرزاق الكافية لجميع المخلوقات. حين تطلبها هذه المخلوقات حسب سنة الله التي لا تحابي أحداً، ولا تتخلف أو تحيد. 

إنما هو كسب طيب وكسب خبيث، وكلاهما يحصل من عمل وجهد. إلا أنه يختلف في النوع والوصف. وتختلف عاقبة المتاع بهذا وذاك. 

ولا ننسى المقابلة بين ذكر الدواب ورزقها هنا؛ وبين المتاع الحسن الذي ذكر في التبليغ الأول. والسياق القرآني المحكم المتناسق لا تفوته هذه اللفتات الأسلوبية والموضوعية، التي تشارك في رسم الجو في السياق. 

وهاتان الآيتان الكريمتان هما بدء تعريف الناس بربهم الحق الذي عليهم أن يدينوا له وحده. أي أن يعبدوه وحده. فهو العالم المحيط علمه بكل خلقه، وهو الرازق الذي لا يترك أحداً من رزقه. وهذه المعرفة ضرورية لعقد الصلة بين البشر وخالقهم؛ ولتعبيد البشر للخالق الرازق العليم المحيط. 

ثم يمضي السياق في تعريف البشر بربهم، وإطلاعهم على آثار قدرته وحكمته. في خلق السماوات والأرض بنظام خاص في أطوار أو آماد محكمة؛ لحكمة كذلك خاصة. يبرز منها السياق هنا ما يناسب البعث والحساب و العمل والجزاء: 

{وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكان عرشه على الماء، ليبلوكم أيكم أحسن عملاً. ولئن قلت: إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا: إن هـذا إلا سحر مبين}.. 

وخلق السماوات والأرض في ستة أيام تحدثنا عنه في سورة يونس.. وهو يساق هنا للربط بين النظام الذي يقوم عليه الكون والنظام الذي تقوم عليه حياة الناس. 

{ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}. 

والجديد هنا في خلق السماوات والأرض هو الجملة المعترضة: {وكان عرشه على الماء} وما تفيده من أنه عند خلق السماوات والأرض أي إبرازهما إلى الوجود في شكلهما الذي إنتهيا إليه كان هناك الماء؛ وكان عرش الله سبحانه على الماء.. 

أما كيف كان هذا الماء، وأين كان، وفي أية حالة من حالاته كان. وأما كيف كان عرش الله على هذا الماء.. فزيادات لم يتعرض لها النص، وليس لمفسر يدرك حدوده أن يزيد شيئاً على مدلول النص، في هذا الغيب الذي ليس لنا من مصدر لعلمه إلا هذا النص وفي حدوده. 

وليس لنا أن نتلمس للنصوص القرآنية مصداقاً من النظريات التي تسمى "العلمية" ـ حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية وينطبق ـ فالنظريات "العلمية" قابلة دائماً للإنقلاب رأساً على عقب، كلما اهتدى العلماء إلى فرض جديد، وامتحنوه فوجدوه أقرب إلى تفسير الظواهر الكونية من الفرض القديم الذي قامت عليه النظرية الأولى. والنص القرآني صادق بذاته، اهتدى العلم إلى الحقيقة التي يقررها أم لم يهتد. وفرق بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية. فالحقيقة العلمية قابلة للتجربة ـ وإن كانت دائماً احتمالية وليست قطعية ـ أما النظرية العلمية فهي قائمة على فرض يفسر ظاهرة كونية أو عدة ظواهر، وهي قابلة للتغيير والتبديل والانقلاب.. ومن ثم لا يحمل القرآن عليها ولا تحمل هي على القرآن، فلها طريق غير طريق القرآن. ومجال غير مجال القرآن. 

وتلمسُّ موافقات من النظريات "العلمية" للنصوص القرآنية هو هزيمة لجدية الإيمان بهذا القرآن واليقين بصحة ما فيه، وأنه من لدن حكيم خبير. هزيمة ناشئة من الفتنة "بالعلم" وإعطائه أكثر من مجاله الطبيعي الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في دائرته. فلينتبه إلى دبيب الهزيمة في نفسه من يحسب أنه بتطبيق القرآن على "العلم" يخدم القرآن ويخدم العقيدة، ويثبت الإيمان! إن الإيمان الذي ينتظر كلمة العلم البشري المتقلبة ليثبت لهو إيمان يحتاج إلى إعادة النظر فيه! إن القرآن هو الأصل والنظريات العلمية توافقه أو تخالفه سواء. أما الحقائق العلمية التجريبية فمجالها غير مجال القرآن. وقد تركها القرآن للعقل البشري يعمل فيها بكامل حريته، ويصل إلى النتائج التي يصل إليها بتجاربه، ووكل نفسه بتربية هذا العقل على الصحة والإستقامة والسلامة، وتحريره من الوهم والأسطورة والخرافة. كما عمل على إقامة نظام للحياة يكفل لهذا العقل أن يستقيم، وأن يتحرر، وأن يعيش في سلام ونشاط.. ثم تركه بعد ذلك يعمل في دائرته الخاصة. ويصل إلى الحقائق الجزئية الواقعية بتجاربه. ولم يتعرض لذكر شيء من الحقائق العلمية إلا نادراً. مثل أن الماء أصل الحياة والعنصر المشترك في جميع الأحياء. ومثل أن جميع الأحياء أزواج حتى النبات الذي يلقح من نفسه فهو يحتوي على خلايا التذكير والتأنيث... وأمثال هذه الحقائق. التي صرحت بها النصوص القرآنية. 

ونعود من هذا الإستطراد إلى النص القرآني نتملاه في مجاله الأصيل. مجال بناء العقيدة وتصريف الحياة: 

{وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ـ وكان عرشه على الماء ـ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}..

خلق السماوات والأرض في ستة أيام.. وهنا فقرات كثيرة محذوفة يشير إليها ما بعدها فيغني عنها.. خلقها في هذا الأمد، لتكون صالحة ومجهزة لحياة هذا الجنس البشري، وخلقكم وسخر لكم الأرض وما يفيدكم من السماوات.. وهو سبحانه مسيطر على الكون كله.. {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}.. والسياق يظهر كأن خلق السماوات والأرض في ستة أيام ـ مع سيطرة الله سبحانه على مقاليده ـ كان من أجل ابتلاء الإنسان. ليعظم هذا الإبتلاء ويشعر الناس بأهميتهم وبجدية ابتلائهم. 

وكما جهز الخالق هذه الأرض وهذه السماوات بما يصلح لحياة هذا الجنس، جهز هذا الجنس كذلك باستعدادات وطاقات؛ وبنى فطرته على ذات القانون الذي يحكم الكون؛ وترك له جانباً إختيارياً في حياته، يملك معه أن يتجه إلى الهدى فيعينه الله عليه ويهديه، أو أن يتجه إلى الضلال فيمد الله له فيه، وترك الناس يعملون، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً. يبلوهم لا للعلم فهو يعلم. ولكن يبلوهم ليظهر المكنون من أفعالهم، فيتلقوا جزاءهم عليها كما اقتضت إرادة الله وعدله. 

ومن ثم يبدو التكذيب بالبعث والحساب والجزاء عجيباً غريباً في هذا الجو. بعدما يذكر أن الإبتلاء مرتبط بتكوين السماوات والأرض. أصيل في نظام الكون وسنن الوجود. 

ويبدو المكذبون به غير معقولين وغير مدركين للحقائق الكبيرة في تكوين هذا الوجود، وهم يعجبون لهذه الحقائق وبها يفاجأون: 

{ولئن قلت: إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا: إن هـذا إلا سحر مبين}.. 

فما أعجبها قولة، وما أغربها، وما أكذبها في ظل هذا البيان الذي تقدمها! 

شأنهم في التكذيب بالبعث، وجهلهم بارتباطه بناموس الكون، هو شأنهم في مسألة العذاب الدنيوي، فهم يستعجلونه ويتساءلون عن سبب تأخيره، إذا ما اقتضت الحكمة الأزلية أن يتأخر عنهم فترة من الوقت: 

{ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن: ما يحبسه؟ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم، وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون}. 

لقد كانت القرون الأولى تهلك بعذاب من عند الله يستأصلها، بعد أن يأتيهم  رسولهم بالخوارق التي يطلبونها ثم يمضون هم في التكذيب. ذلك أنها كانت رسالات مؤقتة لأمة من الناس، ولجيل واحد من هذه الأمة. والمعجزة كذلك لا يشهدها إلا هذا الجيل، ولا تبقى لتشاهدها أجيال أخرى لعلها تؤمن بها أكثر مما آمن الجيل الذي شهدها أول مرة. 

فأما الرسالة المحمدية فقد كانت خاتمة الرسالات، ولجميع الأقوام وجميع الأجيال، وكانت المعجزة التي صاحبتها معجزة غير مادية، فهي قابلة للبقاء، قابلة لأن تتدبرها أجيال وأجيال، وتؤمن بها أجيال وأجيال، ومن ثم اقتضت الحكمة ألا تؤخذ هذه الأمة بعذاب الإستئصال. وأن يقع العذاب على أفراد منها في وقت معلوم.. وكذلك كان الحال في الأمم الكتابية قبلها من اليهود والنصارى، فلم يعم فيهم عذاب الإستئصال. 

ولكن المشركين في جهلهم بنواميس الله الخالصة بخلق الإنسان على هذا النحو من القدرة على الإختيار والإتجاه؛ وخلق السماوات والأرض على نحو يسمح له بالعمل والنشاط والبلاء ينكرون البعث. وفي جهلهم بسنن الله في الرسالات والمعجزات والعذاب يتساءلون إذا ما أخر عنهم إلى أمة من السنوات أو الأيام ـ أي مجموعة منها ـ ما يحبسه؟ وما يؤخره؟ فلا يدركون حكمة الله ولا رحمته. وهو يوم يأتيهم لا يصرف عنهم، بل يحيط بهم، جزاء لاستهزائهم الذي يدل عليه سؤالهم واستهتارهم: 

{ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}. 

إن عذاب الله لا تستعجله نفس مؤمنة ولا نفس جادة. وإذا ما أبطأ فهي حكمة ورحمة. ليؤمن من يتهيأ للإيمان. 

وفي فترة التأجيل التي صرف الله العذاب فيها عن مشركي قريش، كم آمن منهم من رجال حسن إسلامهم وأبلوا أحسن البلاء. وكم ولد لكفارهم من ذرية نشأت فيما بعد في الإسلام.. وهذه وتلك بعض الحكم الظاهرة والله يعلم ما بطن. ولكن البشر القاصرين العجولين لا يعلمون.. 

وبمناسبة استعجال العذاب يجول السياق جولة في نفس هذا المخلوق الإنساني العجيب، الذي لا يثبت ولا يستقيم إلا بالإيمان: 

{ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن: ذهب السيئات عني، إنه لفرح فخور. إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات، أولـئك لهم مغفرة وأجر كبير}.. 

إنها صورة صادقة لهذا الإنسان العجول القاصر، الذي يعيش في لحظته الحاضرة، ويطغى عليه ما يلابسه؛ فلا يتذكر ما مضى ولا يفكر فيما يلي. فهو يؤوس من الخير، كفور بالنعمة بمجرد أن تنزع منه. مع أنها كانت هبة من الله له. وهو فرح بطر بمجرد أن يجاوز الشدة إلى الرخاء. لا يحتمل في الشدة ويصبر ويؤمل في رحمة الله ويرجو فرجه؛ ولا يقتصد في فرحه وفخره بالنعمة أو يحسب لزوالها حساباً..

{إلا الذين صبروا}.. 

صبروا على النعمة كما صبروا على الشدة، فإن كثيراً من الناس يصبرون على الشدة تجلداً وإباء أن يظهر عليهم الضعف والخور، ولكن القلة هي التي تصبر على النعمة فلا تغتر ولا تبطر.. 

{وعملوا الصالحات}.. 

في الحالين. في الشدة بالاحتمال والصبر، وفي النعمة بالشكر والبر. 

{أولئك لهم مغفرة وأجر كبير}.. 

بما صبروا على الضراء وبما شكروا في السراء. 

إن الإيمان الجاد المتمثل في العمل الصالح هو الذي يعصم النفس البشرية من اليأس الكافر في الشدة؛ كما يعصمها من البطر الفاجر في الرخاء. وهو الذي يقيم القلب البشري على سواء في البأساء والنعماء؛ ويربطه بالله في حاليه، فلا يتهافت تحت مطارق البأساء. ولا يتنفج ويتعالى عندما تغمره النعماء.. وكلا حالي المؤمن خير. وليس ذلك إلا للمؤمن كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

أولئك الجاهلون بحكمة الخلق وبسنن الكون ـ وهم أفراد من هذا الإنسان القاصر الغافل اليؤوس الكفور الفرح الفخور ـ الذين لا يدركون حكمة إرسال الرسل من البشر فيطلبون أن يكون ملكاً أو أن يصاحبه ملك؛ ولا يقدرون قيمة الرسالة فيطلبون أن يكون للرسول كنز!.. أولئك المكذبون المعاندون الذين يلجون في التكذيب والعناد.. ما تراك صانعاً معهم أيها الرسول؟ 

{فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك. إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل}.. 

ولعل هنا تحمل معنى الإستفهام. وهو ليس استفهاماً خالصاً، إنما يتلبس به أن المتوقع من النفس البشرية أن تضيق صدراً بهذا الجهل، وبهذا التعنت، وبهذه الإقتراحات السخيفة التي تكشف عن بعد كامل عن إدراك طبيعة الرسالة ووظيفتها. فهل سيضيق صدرك ـ يا محمد ـ وهل سيحملك هذا الضيق على أن تترك بعض ما أنزل إليك فلا تبلغه لهم، كي لا يقابلوه بما اعتادوا أن يقابلوا به نظائره فيما أخبرتهم من قبل؟ 

كلا. لن تترك بعض ما يوحى إليك ولن يضيق به صدرك من قولهم هذا: 

{إنما أنت نذير}.. 

فواجبك كله أن تنذرهم ـ وأبرز صفة النذير هنا لأن المقام يستوجبها مع أمثال هؤلاء ـ فأد واجبك: 

{والله على كل شيء وكيل}.. 

فهو الموكل بهم، يصرفهم كيف يشاء وفق سنته، ويحاسبهم بعد ذلك على ما يكسبون. ولست أنت موكلاً بكفرهم أو إيمانهم. إنما أنت نذير. 

وهذه الآية تشي بجو تلك الفترة الحرجة في تاريخ الدعوة؛ وما كان يعتور صدر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الضيق. كما تشي بثقل المواجهة للجاهلية المتمردة المعاندة، في الوقت الذي هلك فيه العشير والنصير؛ وغمرت الوحشة قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغشى الكرب على قلوب المؤمنين القلائل في هذه الجاهلية المحيطة.. 

ومن بين كلمات الآية نحس جواً مكروباً تتنزل فيه هذه الكلمات الربانية بالبشاشة، وتسكب فيه الطمأنينة، وتريح الأعصاب والقلوب! 

وقولة أخرى يقولونها. وقد قالوها مراراً: إن هذا القرآن مفترى. فتحدّهم إذن أن يفتروا عشر سور كسوره، وليستعينوا بمن يشاءون في هذا الإفتراء: 

{أم يقولون افتراه؟ قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}.. 

ولقد سبق أن تحداهم بسورة واحدة في سورة يونس، فما التحدي بعد ذلك بعشر سور؟ 

قال المفسرون القدامى: إن التحدي كان على الترتيب: بالقرآن كله، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة. ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل. بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة، وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور. وحقيقة إن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور. فقد كانت تنزل الآية فتلحق بسورة سابقة أو لاحقة في النزول. إلا أن هذا يحتاج إلى ما يثبته. وليس في أسباب النزول ما يثبت أن آية يونس كانت بعد آية هود. والترتيب التحكمي في مثل هذا لا يجوز. 

ولقد حاول السيد رشيد رضا في تفسير المنار أن يجد لهذا العدد {عشر سور} علة، فأجهد نفسه طويلاً ـ رحمة الله عليه ـ ليقول: إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني، وأنه بالإستقراء يظهر  أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشراً. فتحداهم بعشر.. لأن تحديهم بسورة واحدة فيه يعجزهم أكثر من تحديهم بعشر نظراً لتفرق القصص وتعدد أساليبه، واحتياج المتحدي إلى عشر سور كالتي ورد فيها ليتمكن من المحاكاة إن كان سيحاكى.. إلخ. 

ونحسب ـ والله أعلم ـ أن المسألة أيسر من كل هذا التعقيد. وأن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول، لأن القرآن كان يواجه حالات واقعة محددة مواجهة واقعة محددة. فيقول مرة: ائتوا بمثل هذا القرآن. أو ائتوا بسورة، أو بعشر سور. دون ترتيب زمني. لأن الغرض كان هو التحدي في ذاته بالنسبة لأي شيء من هذا القرآن. كله أو بعضه أو سورة منه على السواء. فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره. والعجز كان عن النوع لا عن المقدار. وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة. ولا يلزم ترتيب، إنما هو مقتضى الحالة التي يكون عليها المخاطبون، ونوع ما يقولون عن هذا القرآن في هذه الحالة. فهو الذي يجعل من المناسب أن يقال سورة أو عشر سور أو هذا القرآن. ونحن اليوم لا نملك تحديد الملابسات التي لم يذكرها لنا القرآن. 

{وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}.. 

 ادعوا شركاءكم وفصحاءكم وبلغاءكم وشعراءكم وجنكم وإنسكم. وأتوا بعشر سور فقط مفتريات، إن كنتم صادقين في أن هذا القرآن مفترى من دون الله! 

{فإن لم يستجيبوا لكم}.. 

ولم يقدروا على افتراء عشر سور، لأنهم عاجزون عن أن يقدموا لكم عوناً في هذه المهمة المتعذرة! وعجزتم أنتم بطبيعة الحال، لأنكم لم تدعوهم لتستعينوا بهم إلا بعد عجزكم! 

{فاعلموا أنما أنزل بعلم الله}.. 

فهو وحده القادر على أن ينزله، وعلم الله وحده هو الكفيل بأن ينزله على هذا النحو الذي نزل به، متضمناً ما تضمنه من دلائل العلم الشامل بسنن الكون وأحوال البشر، وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وما يصلح لهم في نفوسهم وفي معاشهم.. 

{وأن لا إله إلا هو}.. 

فهذا مستفاد كذلك من عجز آلهتكم عن تلبيتكم في تأليف عشر سور كالتي أنزلها الله. فلا بد أن يكون هناك إله واحد هو القادر على تنزيل هذا القرآن. 

ويعقب على هذا التقرير الذي لا مفر من الإقرار به بسؤال لا يحتمل إلا جواباً واحداً عند غير المكابرين المتعنتين. سؤال: 

{فهل أنتم مسلمون؟}. 

بعد هذا التحدي والعجز ودلالته التي لا سبيل إلى مواجهتها بغير التسليم؟. 

ولكنهم ظلوا بعدها يكابرون!!! 

لقد كان الحق واضحاً ولكنهم كانوا يخافون على ما يتمتعون به في هذه الحياة الدنيا من منافع وسلطان، وتعبيد للناس كي لا يستجيبوا لداعي الحرية والكرامة والعدل والعزة.. داعي لا إله إلا الله.. لهذا يعقب السياق بما يناسب حالهم ويصور لهم عاقبة أمرهم فيقول: 

{من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولـئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون}.. 

إن للجهد في هذه الأرض ثمرته. سواء تطلع صاحبه إلى أفق أعلى أو توجه به الى منافعه القريبة وذاته المحدودة. فمن كان يريد الحياة الدنيا و زينتها فعمل لها وحدها، فإنه يلقى نتيجة عمله في هذه الدنيا؛ ويتمتع بها كما يريدـ في أجل محدود ـ ولكن ليس له في الآخرة إلا النار، لأنه لم يقدم للآخرة شيئاً، ولم يحسب لها حساباً، فكل عمل الدنيا يلقاه في الدنيا. ولكنه باطل في الآخرة لا يقام له فيها وزن وحابط (من حبطت الناقة إذا انتفخ بطنها من المرض) وهي صورة مناسبة للعمل المنتفخ المتورم في الدنيا وهو مؤد إلى الهلاك! 

ونحن نشهد في هذه الأرض أفراداً اليوم وشعوباً وأمماً تعمل لهذه الدنيا، وتنال جزاءها فيها. ولدنياها زينة، ولدنياها انتفاخ! فلا يجوز أن نعجب ولا أن نسأل: لماذا؟ لأن هذه هي سنة الله في هذه الأرض: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون}. 

ولكن التسليم بهذه السنة ونتائجها لا يجوز أن ينسينا أن هؤلاء كان يمكن أن يعملوا نفس ما عملوه ـ ونفوسهم تتطلع للآخرة وتراقب الله في الكسب والمتاع ـ فينالوا زينة الحياة الدنيا لا يبخسون منها شيئاً، وينالوا كذلك متاع الحياة الأخرى. 

إن العمل للحياة الأخرى لا يقف في سبيل العمل للحياة الدنيا. بل إنه هو هو مع الإتجاه إلى الله فيه. ومراقبة الله في العمل لا تقلل من مقداره ولا تنقص من آثاره؛ بل تزيد وتبارك الجهد والثمر، وتجعل الكسب طيباً والمتاع به طيباً، ثم تضيف إلى متاع الدنيا متاع الآخرة. إلا أن يكون الغرض من متاع الدنيا هو الشهوات الحرام. وهذه مردية لا في الأخرى فحسب، بل كذلك في الدنيا ولو بعد حين. وهي ظاهرة في حياة الأمم وفي حياة الأفراد. وعبر التاريخ شاهدة على مصير كل أمة اتبعت الشهوات على مدار القرون. 

بعد ذلك يلتفت السياق إلى موقف المشركين من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما جاءه من الحق؛ وإلى هذا القرآن الذي يشهد له بأنه على بينة من ربه، وأنه مرسل من عنده؛ كما يشهد له كتاب موسى من قبله. يلتفت السياق إلى هذا الحشد من الأدلة المحيطة بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبدعوته ورسالته. ذلك ليثبت بهذه الإلتفاته قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقلة المؤمنة معه. ثم ليوعد الذين يكفرون به من أحزاب المشركين بالنار؛ وليعرضهم في مشهد من مشاهد العذاب يوم القيامة يجلله الخزي والعار جزاء العتو والإستكبار؛ وليقرر أن هؤلاء المتبجحين بالباطل، المعاندين في الحق أعجز من أن يفلتوا من عذاب الله؛ وأعجز من أن يجدوا لهم من دون الله أولياء.. {لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}.. وليعقد بينهم وبين المؤمنين موازنة في صورة حسية مشهودة؛ تصور الفارق البعيد بين الفريقين في طبيعتهما، وفي موقفهما وحالهما في الدنيا وفي الآخرة سواء:

{أفمن كان على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه، ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة؟ أولـئك يؤمنون به، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده، فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}. 

{ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً؛ أولـئك يعرضون على ربهم؛ ويقول الأشهاد: هـؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، وهم بالآخرة هم كافرون. أولـئك لم يكونوا معجزين في الأرض، وما كان لهم من دون الله من أوليآء، يضاعف لهم العذاب. ما كانوا يستطيعون السمع، وما كانوا يبصرون. أولـئك الذين خسروا أنفسهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون. لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}.. 






{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولـئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}.

مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون؟}.. 

إن طول هذه الجملة، وتنوع الإشارات والإيحاءات فيها، وتنوع اللفتات والإيقاعات أيضاً.. إن هذا كله يشي بما كانت تواجهه القلة المؤمنة، في تلك الفترة الحرجة من تاريخ الدعوة؛ ويصور لنا حاجة الموقف إلى هذه المعركة التقريرية الإيحائية؛ كما يصور لنا طبيعة هذا القرآن الحركية؛ وهو يواجه ذلك الواقع ويجاهده جهاداً كبيراً. 

إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة؛ ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها. والذين يتلمسون معاني القرآن ودلالالته وهم قاعدون. يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئاً في هذه القعدة الباردة الساكنة؛ بعيداً عن المعركة وبعيداً عن الحركة.. إن حقيقة هذا القرآن لا تتكشف للقاعدين أبداً، وإن سره لا يتجلى لمن يؤثرون السلامة والراحة مع العبودية لغير الله، والدينونة للطاغوت من دون الله! 

{أفمن كان على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة؟ أولـئك يؤمنون به، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده، فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. 

وردت روايات شتى فيما هو المقصود بقوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه}.. وفي قوله تعالى: {ويتلوه شاهد منه}. وفي عائد هذه الضمائر في: {ربه} وفي {يتلوه} وفي {منه}.. وأرجحها ـ كما يبدو لي ـ هو أن المقصود بقوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه} هو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبالتبعية له كل من يؤمن بما جاء به ـ وأن المقصود بقوله تعالى: {ويتلوه شاهد منه} أي ويتبعه شاهد من ربه على نبوته ورسالته. وهو هذا القرآن الذي يشهد بذاته أنه وحي من الله لا يقدر عليه بشر. {ومن قبله} ـ أي من قبل هذا الشاهد وهو القرآن؛ {كتاب موسى} يشهد كذلك بصدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سواء بما تضمنه من البشارة به؛ أو بموافقة أصله لما جاء به محمد من بعده. 

والذي يرجح هذا عندي هو وحده التعبير القرآني في السورة ـ في تصوير ما بين الرسل الكرام وربهم، من بينة يجدونها في أنفسهم، يستيقنون معها أن الله هو الذي يوحي إليهم، ويجدون بها ربهم في قلوبهم وجوداً مستيقناً واضحاً لا يخالجهم معه شك ولا ريبة. فنوح ـ عليه السلام ـ يقول لقومه: {أية : 
يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟}.. تفسير : وصالح عليه السلام يقول الكلمة ذاتها: {أية : 
قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير}.. تفسير : وشعيب عليه السلام يقولها كذلك: {أية : 
قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً}.. تفسير : فهو تعبير موحد عن حال واحدة للرسل الكرام مع ربهم، تصور حقيقة ما يجدونه في أنفسهم من رؤية قلبية مستيقنة لحقيقة الألوهية في نفوسهم؛ ولصدق اتصال ربهم بهم عن طريق الوحي أيضاً.. وهذا التوحيد في التعبير عن الحال الواحدة مقصود قصداً في سياق السورة ـ كما أسلفنا في التعريف بها ـ لإثبات أن شأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع ربه ومع الوحي الذي تنزل عليه شأن سائر الرسل الكرام قبله؛ مما يبطل دعاوى المشركين المفتراة عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذلك لتثبيته هو والقلة المؤمنة معه على الحق الذي معهم؛ فهو الحق الواحد الذي جاء به الرسل جميعاً، والذي أسلم عليه المسلمون من أتباع الرسل جميعاً. 

ويكون المعنى الكلي للآية: أفهذا النبي الذي تتضافر الأدلة والشواهد على صدقة وصحة إيمانه ويقينه.. حيث يجد في نفسه بينة واضحة مستيقنة من ربه. وحيث يتبعه ـ أو يتبع يقينه هذا ـ شاهد من ربه هو هذا القرآن الدال بخصائصه على مصدره الرباني. وحيث يقوم على تصديقه شاهد آخر قبله، هو كتاب موسى الذي جاء إماماً لقيادة بني إسرائيل ورحمة من الله تنزلت عليهم. وهو يصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما تضمنه من التبشير به، كما يصدقه بما فيه من مطابقة للأصول الإعتقادية التي يقوم عليها دين الله كله.. 

يقول: أفمن كان هذا شأنه يكون موضعاً للتكذيب والكفر والعناد كما تفعل الأحزاب التي تناوئه من شتى فئات المشركين؟ إنه لأمر مستنكر إذن في مواجهة هذه الشواهد المتضافرة من شتى الجهات.. 

ثم يعرض مواقف الذين يؤمنون بهذا القرآن والذين يكفرون به من الأحزاب، وما ينتظر هؤلاء من جزاء في الآخرة. ويعرج على تثبيت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذين يؤمنون بما معه من الحق؛ فلا يقلقهم شأن المكذبين الكافرين، وهم كثرة الناس في ذلك الحين: 

{أولـئك يؤمنون به، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده، فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. 

وقد وجد بعض المفسرين إشكالاً في قوله تعالى: {أولئك يؤمنون به} إذا كان المقصود بقوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه} هو شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما أسلفنا.. فإن {أولئك} تعني جماعة يؤمنون بهذا الوحي وبتلك البينة.. ولا إشكال هناك. فالضمير في قوله تعالى {أولئك يؤمنون به} يعود على {شاهد} وهو القرآن. وكذلك الضمير في قوله تعالى {ومن قبله} فإنه يعود على القرآن كما أسلفنا.. فلا إشكال في أن يقول: {أولئك يؤمنون به} ـ أي بهذا الشاهد أي بهذا القرآن ـ والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أول من آمن بما أنزل إليه، ثم تبعه المؤمنون: {أية : 
آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون. كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله...} تفسير : كما جاء في آية البقرة.. والآية هنا تشير إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتدمج معه المؤمنين الذين آمنوا بما آمن به هو وبلغهم إياه.. وهو أمر مألوف في التعبير القرآني، ولا إشكال فيه. 

{ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده}.. 

وهو موعد لا يخلف، والله سبحانه هو الذي قدره ودبره! 

{فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. 

وما شك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما أوحي إليه، ولا امترى ـ وهو على بينة من ربه ـ ولكن هذا التوجيه الرباني عقب حشد هذه الدلائل والشواهد يشي بما كان يخالج نفس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ضيق وتعب ووحشة من جراء تجمد الدعوة وكثرة المعاندين، تحتاج كلها إلى التسرية عنه بهذا التوجيه والتثبيت. كذلك ما كان يخالج قلوب القلة المسلمة من ضيق وكرب يحتاج إلى برد اليقين يتنزل عليهم من ربهم الرحيم. 

وما أحوج طلائع البعث الإسلامي؛ وهي تواجه مثل تلك الحال في كل مكان؛ ويتآزر عليها الصد والإعراض، والسخرية والإستهزاء، والتعذيب والإيذاء؛ والمطاردة بكل صورها المادية والمعنوية؛ وتتضافر عليها كل قوى الجاهلية في الأرض من محلية وعالمية؛ وتسلط عليها أبشع ألوان الحرب وأنكدها؛ ثم تدق الطبول وتنصب الرايات لمن يحاربونها هذه الحرب ومن يطاردونها هذه المطاردة.. 

ما أحوج هذه الطلائع إلى تدبر هذه الآية بكل فقرة فيها، وبكل إشارة، وبكل لمحة فيها وكل إيماءة! ما أحوجها إلى اليقين الذي يحمله التوكيد الرباني الحكيم: 

{فلا تك في مرية منه، إنه الحق من ربك، ولـكن أكثر الناس لا يؤمنون}.. 

وما أحوجها إلى أن تجد في نفسها ظلالاً لما كان يجده الرسل الكرام صلوات الله عليهم وسلامه من بينة من ربهم، ومن رحمة لا يخطئونها ولا يشكون فيها لحظة؛ ومن التزام بالمضي في الطريق مهما تكن عقبات الطريق: 

{قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته؟ فما تزيدونني غير تخسير}.. 

إن هذه الطلائع تتصدى لمثل ما كان يتصدى له ذلك الرهط الكريم من الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً ـ وتجد من الجاهلية مثلما كانوا يجدون.. لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى البشرية كلها بهذا الدين؛ فواجهته بجاهليتها التي صارت إليها بعد الإسلام الذي جاءها به من قبل إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان ويحيى وعيسى، وسائر النبيين! 

إنها الجاهلية التي تعترف بوجود الله ـ سبحانه ـ أولا تعترف. ولكنها تقيم للناس أرباباً في الأرض يحكمونهم بغير ما أنزل الله؛ ويشرعون لهم من القيم والتقاليد والأوضاع ما يجعل دينونتهم لهذه الأرباب لا لله.. ثم هي  الدعوة الإسلامية للناس كافة أن ينحوا هذه الأرباب الأرضية عن حياتهم وأوضاعهم ومجتمعاتهم وقيمهم وشرائعهم، وأن يعودوا إلى الله وحده يتخذونه رباً لا أرباب معه؛ ويدينون له وحده. فلا يتبعون إلا شرعه ونهجه، ولا يطيعون إلا أمره ونهيه.. ثم هي بعد هذه وتلك المعركة القاسية بين الشرك والتوحيد، وبين الجاهلية والإسلام. وبين طلائع البعث الإسلامي وهذه الطواغيت في أرجاء الأرض والأصنام! 

ومن ثم لا بد لهذه الطلائع من أن تجد نفسها وموقفها كله في هذا القرآن في مثل هذا الأوان.. وهذا بعض ما نعنيه حين نقول: "إن هذا القرآن لا يتذوقه إلا من يخوض مثل هذه المعركة. ويواجه مثل تلك المواقف التي تنزل فيها ليواجهها ويوجهها، وإن الذين يتلمسون معاني القرآن ودلالاته وهم قاعدون يدرسونه دراسة بيانية أو فنية لا يملكون أن يجدوا من حقيقته شيئاً في هذه القعدة الباردة الساكنة، بعيداً عن المعركة، وبعيداً عن الحركة...". 

ثم يمضي السياق يواجه الذين يكفرون به؛ ويزعمون أنه مفترى من دون الله، ويكذبون على الله سبحانه وعلى رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك في مشهد من مشاهد القيامة يعرض فيه الذين يفترون على الله الكذب. سواء بقولهم: إن الله لم ينزل هذا الكتاب، أو بادعائهم شركاء لله. أو بدعواهم في الربوبية الأرضية وهي من خصائص الألوهية.. يجمل النص هنا الإشارة لتشمل كل ما يوصف بأنه كذب على الله. 

هؤلاء يعرضون في مشهد يوم القيامة للتشهير بهم وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد. وفي الجانب الآخر المؤمنون المطمئنون إلى ربهم وما ينتظرهم من نعيم. ويضرب للفريقين مثلاً: الأعمى والأصم والبصير والسميع: 

{ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا؟أولـئك يعرضون على ربهم، ويقول الأشهاد: هـؤلاء الذين كذبوا على ربهم. ألا لعنة الله على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، وهم بالآخرة هم كافرون. أولـئك لم يكونوا معجزين في الأرض، وما كان لهم من دون الله من أولياء، يضاعف لهم العذاب، ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون. أولـئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون، لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم، أولـئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع. هل يستويان مثلا؟ أفلا تذكرون؟}. 

إن افتراء الكذب في ذاته جريمة نكراء، وظلم للحقيقة ولمن يفتري عليه الكذب. فما بال حين يكون هذا الإفتراء على الله؟ 

{أولئك يعرضون على ربهم، ويقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم}. 

إنه التشهير والتشنيع. بالإشارة: {هؤلاء}.. {هؤلاء الذين كذبوا}.. وعلى من؟ {على ربهم} لا على أحد آخر! إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد، تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة: 

{ألا لعنة الله على الظالمين}.. 

يقولها الأشهاد كذلك. والأشهاد هم الملائكة والرسل والمؤمنون، أو هم الناس أجمعون. فهو الخزي والتشهير ـ إذن ـ في ساحة العرض الحاشدة! أو هو قرار الله سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رؤوس الأشهاد: 

{ألا لعنة الله على الظالمين}.. 

والظالمون هم المشركون. وهم الذين يفترون الكذب على ربهم ليصدوا عن سبيل الله. 

{ويبغونها عوجاً}.. 

فلا يريدون الإستقامة ولا الخطة المستقيمة، إنما يريدونها عوجاً والتواء وانحرافاً. يريدون الطريق أو يريدون الحياة أو يريدون الأمور.. كلها بمعنى.. {وهم بالآخرة هم كافرون} ويكرر {هم} مرتين للتوكيد وتثبيت الجريمة وإبرازها في مقام التشهير. 

والذين يشركون بالله ـ سبحانه ـ وهم الظالمون ـ إنما يريدون الحياة كلها عوجاً حين يعدلون عن استقامة الإسلام. وما تنتج الدينونة لغير الله ـ سبحانه ـ إلا العوج في كل جانب من جوانب النفس، وفي كل جانب من جوانب الحياة. 

إن عبودية الناس لغير الله سبحانه تنشئ في نفوسهم الذلة وقد أراد الله أن يقيمها على الكرامة. وتنشئ في الحياة الظلم والبغي وقد أراد الله أن يقيمها على القسط والعدل. وتحول جهود الناس إلى عبث في تأليه الأرباب الأرضية والطبل حولها والزمر، والنفخ فيها دائماً لتكبر حتى تملأ مكان الرب الحقيقي. ولما كانت هذه الأرباب في ذاتها صغيرة هزيلة لا يمكن أن تملأ فراغ الرب الحقيقي، فإن عبادها المساكين يظلون في نصب دائب، وهمٍّ مقعد مقيم ينفخون فيها ليل ونهار، ويسلطون عليها الأضواء والأنظار، ويضربون حولها بالدفوف والمزامير والترانيم والتسابيح، حتى يستحيل الجهد البشري كله من الإنتاج المثمر للحياة إلى هذا الكد البائس النكد وإلى هذا الهم المقعد المقيم.. فهل وراء ذلك عوج وهل وراء ذلك التواء؟! 

{أولئك}.. 

البعداء المبعدون الملعونون. 

{لم يكونوا معجزين في الأرض}.. 

فلم يكن أمرهم معجزاً لله، ولو شاء لأخذهم بالعذاب في الدنيا.. 

{وما كان لهم من دون الله من أولياء}.. 

ينصرونهم أو يمنعونهم من الله. إنما تركهم لعذاب الآخرة، ليستوفوا عذاب الدنيا وعذاب الآخرة: 

{يضاعف لهم العذاب}.. 

فقد عاشوا معطلي المدارك مغلقي البصائر؛ كأن لم يكن لهم سمع ولا بصر: 

{وما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون}.. 

{أولئك الذين خسروا أنفسهم}.. 

وهي أفدح الخسارة، فالذي يخسر نفسه لا يفيد شيئاً مما كسب غيرها وأولئك خسروا أنفسهم فأضاعوها في الدنيا، لم يحسوا بكرامتهم الآدمية التي تتمثل في الإرتفاع عن الدينونة لغير الله من العبيد. كما تتمثل في الإرتفاع عن الحياة الدنيا والتطلع ـ مع المتاع بها ـ إلى ما هو أرقى وأسمى. وذلك حين كفروا بالآخرة، وحين كذبوا على ربهم غير متوقعين لقاءه. وخسروا أنفسهم في الآخرة بهذا الخزي الذي ينالهم، وبهذا العذاب الذي ينتظرهم.. 

{وضل عنهم ما كانوا يفترون}.. 

غاب عنهم فلم يهتد إليهم ولم يجتمع عليهم ما كانوا يفترونه من الكذب على الله. فقد تبدد وذهب وضاع. 

{لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون}.. 

الذين لا تعدل خسارتهم خسارة. وقد أضاعوا أنفسهم دنيا وأخرى. 

وفي الجانب الآخر أهل الإيمان والعمل الصالح، المطمئنون إلى ربهم الواثقون به الساكنون إليه لا يشكون ولا يقلقون: 

{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وأخبتوا إلى ربهم، أولـئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}..

 والإخبات الطمأنينة والإستقرار والثقة والتسليم.. وهي تصور حال المؤمن مع ربه، وركونه إليه واطمئنانه لكل ما يأتي به، وهدوء نفسه وسكون قلبه، وأمنه واستقراره ورضاه: 

{مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع. هل يستويان مثلاً؟}.. 

صورة حسية تتجسم فيها حالة الفريقين. والفريق الأول كالأعمى لا يرى وكالأصم لا يسمع ـ والذي يعطل حواسه وجوارحه عن الغاية الكبرى منها، وهي أن تكون أدوات موصلة للقلب والعقل، ليدرك ويتدبر فكأنما هو محروم من تلك الجوارح والحواس ـ والفريق الثاني كالبصير يرى وكالسميع يسمع، فيهديه بصره وسمعه. 

{هل يستويان مثلاً؟}.. 

سؤال بعد الصورة المجسمة لا يحتاج إلى إجابة لأنها إجابة مقررة. 

{أفلا تذكّرون}.

فالقضية في وضعها هذا لا تحتاج إلى أكثر من التذكر. فهي بديهية لا تقتضي التفكير.. 

وتلك وظيفة التصوير الذي يغلب في الأسلوب القرآني في التعبير.. أن ينقل القضايا التي تحتاج لجدل فكري إلى بديهيات مقررة لا تحتاج إلى أكثر من توجيه النظر والتذكير



والله ولى التوفيق

شارك المقال

تعليقات

الأرشيف

نموذج الاتصال

إرسال