تفسير سوره يونس

اعلان اول الموضوع

اعلان وسط الموضوع

إعلان اخر الموضوع

  • العرض

تفسير سوره يونس

تفسير :





 سبقت الإشارة في هذه السورة إلى القرون الخالية، وما كان من عاقبة تكذيبهم لرسلهم، واستخلاف من بعدهم لاختبارهم: {أية : 

ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا، كذلك نجزي القوم المجرمين، ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون

}..






تفسير : كما سبقت الإشارة بأن لكل أمة رسولاً فإذا جاءهم رسولهم قضي بينهم بالقسط: {ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون}.


فالآن يأخذ السياق في جولة تفصيلية لهاتين الإشارتين، فيسوق طرفاً من قصة نوح مع قومه، وطرفاً من قصة موسى مع فرعون وملئه، تتحقق فيهما عاقبة التكذيب، والقضاء في أمر الأمة بعد مجيء رسولها، وإبلاغها رسالته، وتحذيرها عاقبة المخالفة.


كذلك تجيء إشارة عابرة لقصة يونس الذي آمنت قريته بعد أن كاد يحل بها العذاب، فرفع عنها ونجت منه بالإيمان.. وهي لمسة من ناحية أخرى تزين الإيمان للمكذبين، لعلهم يتقون العذاب الذي ينذرون. ولا تكون عاقبتهم كعاقبة قوم نوح وقوم موسى المهلكين.


وقد انتهى الدرس الماضي بتكليف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن عاقبة الذين يفترون على الله الكذب وينسبون إليه شركاء: {أية : 

قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع في الدنيا، ثم إلينا مرجعهم، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} تفسير : وذلك بعد تطمين الرسول: {أية : 

ولا يحزنك قولهم. إن العزة لله جميعاً} تفسير : وبأن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.


واستمر السياق بتكليف جديد: أن يقص عليهم - صلى الله عليه وسلم - نبأ نوح فيما يختص بتحديه لقومه ثم ما كان من نجاته ومن آمنوا معه واستخلافهم في الأرض، وهلاك المكذبين وهم أقوى وأكثر عدداً.


والمناسبة ظاهرة لإيراد هذا القصص بالنسبة لسياق السورة، وبالنسبة لهذه المعاني القريبة قبلها. والقصص في القرآن يجيء في السياق ليؤدي وظيفة فيه؛ ويتكرر في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه من السياق، والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع، وقد يعرض غيرها من القصة الواحدة في موضع آخر، لأن هذا الموضع تناسبه حلقة أخرى من القصة. وسنرى فيما يعرض من قصتي نوح وموسى ويونس هنا وفي طريقة العرض مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكة من النبي - صلى الله عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان. كما سنجد المناسبة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه.


{واتل عليهم نبأ نوح، إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت، فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون. فإن توليتم فما سألتكم من أجر. إن أجري إلا على الله، وأمرت أن أكون من المسلمين. فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك، وجعلناهم خلائف، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين}..


إن الحلقة التي تعرض هنا من قصة نوح، هي الحلقة الأخيرة: حلقة التحدي الأخير، بعد الإنذار الطويل والتذكير الطويل والتكذيب الطويل. ولا يذكر في هذه الحلقة موضوع السفينة ولا من ركب فيها ولا الطوفان، ولا التفصيلات في تلك الحلقة، لأن الهدف هو إبراز التحدي والاستعانة بالله وحده، ونجاة الرسول ومن معه وهم قلة، وهلاك المكذبين له وهم كثرة وقوة. لذلك يختصر السياق هنا تفصيلات القصة إلى حلقة واحدة. ويختصر تفصيلات الحلقة الواحدة إلى نتائجها الأخيرة، لأن هذا هو مقتضى السياق في هذا الموضع.


{واتل عليهم نبأ نوح، إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة. ثم اقضوا إلي ولا تنظرون}..


إن كان الأمر قد بلغ منكم مبلغ الضيق، فلم تعودوا تتحملون بقائي فيكم ودعوتي لكم؛ وتذكيري لكم بآيات الله. فأنتم وما تريدون. وأنا ماض في طريقي لا أعتمد إلا على الله:


{فعلى الله توكلت}..


عليه وحده فهو حسبي دون النصراء والأولياء.


{فأجمعوا أمركم وشركاءكم}..


وتدبروا مصادر أمركم وموارده، وخذوا أهبتكم متضامنين:


{ثم لا يكن أمركم عليكم غمة}..


بل ليكن الموقف واضحاً في نفوسكم، وما تعتزمونه مقرراً لا لبس فيه ولا غموض، ولا تردد فيه ولا رجعة.


{ثم اقضوا إلي}..


فنفذوا ما اعتزمتم بشأني وما دبرتم، بعد الروية ووزن الأمور كلها والتصميم الذي لا تردد فيه..


{ولا تنظرون}..


ولا تمهلوني للأهبة والاستعداد، فكل استعدادي، هو اعتمادي على الله وحده دون سواه.


إنه التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه! فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟ وماذا كان معه من قوى الأرض جميعاً؟


كان معه الإيمان.. القوة التي تتصاغر أمامها القوى، وتتضاءل أمامها الكثرة، ويعجز أمامها التدبير. وكان وراءه الله الذي لا يدع أولياءه لأولياء الشيطان!


إنه الإيمان بالله وحده ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه. فليس هذا التحدي غروراً، وليس كذلك تهوراً، وليس انتحاراً. إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان.


وأصحاب الدعوة إلى الله لهم أسوة حسنة في رسل الله.. وإنه لينبغي لهم أن تمتلئ قلوبهم بالثقة حتى تفيض. وإن لهم أن يتوكلوا على الله وحده في وجه الطاغوت أياً كان!


ولن يضرهم الطاغوت إلاَّ أذى - ابتلاء من الله لا عجزاً منه سبحانه عن نصرة أوليائه، ولا تركاً لهم ليسلمهم إلى أعدائه. ولكنه الابتلاء الذي يمحص القلوب والصفوف. ثم تعود الكرة للمؤمنين. ويحق وعد الله لهم بالنصر والتمكين.


والله سبحانه يقص قصة عبده نوح وهو يتحدى قوى الطاغوت في زمانه هذا التحدي الواضح الصريح. فلنمض مع القصة لنرى نهايتها عن قريب.


{فإن توليتم فما سألتكم من أجر. إن أجري إلا على الله. وأمرت أن أكون من المسلمين}..


فإن أعرضتم عني وابتعدتم، فأنتم وشأنكم، فما كنت أسألكم أجراً على الهداية، فينقص أجري بتوليكم:


{إن أجري إلا على الله}..


ولن يزحزحني هذا عن عقيدتي، فقد أمرت أن أسلم نفسي كلها لله:


{وأمرت أن أكون من المسلمين}..


وأنا عندما أمرت به.. من المسلمين..


فماذا كان؟


{فكذبوه. فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف. وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا}..


هكذا باختصار. نجاته هو ومن معه في الفلك - وهم المؤمنون. واستخلافهم في الأرض على قلتهم. وإغراق المكذبين على قوتهم وكثرتهم:


{فانظر كيف كان عاقبة المنذرين}..


لينظر من ينظر {عاقبة المنذرين} المكذبين وليتعظ من يتعظ بعاقبة المؤمنين الناجين.


ويعجل السياق بإعلان نجاة نوح ومن معه، لأن نوحاً والقلة المؤمنة كانوا يواجهون خطر التحدي للكثرة الكافرة. فلم تكن النتيجة مجرد هلاك هذه الكثرة، بل كان قبلها نجاة القلة من جميع الأخطار؛ واستخلافها في الأرض، تعيد تعميرها وتجديد الحياة فيها، وتأدية الدور الرئيسي فترة من الزمان.


هذه سنة الله في الأرض. وهذا وعده لأوليائه فيها.. فإذا طال الطريق على العصبة المؤمنة مرة، فيجب أن تعلم أن هذا هو الطريق، وأن تستيقن أن العاقبة والاستخلاف للمؤمنين، وألا تستعجل وعد الله حتى يجيء وهي ماضية في الطريق.. والله لا يخدع أولياءه - سبحانه - ولا يعجز عن نصرهم بقوته، ولا يسلمهم كذلك لأعدائه.. ولكنه يعلمهم ويدربهم ويزودهم - في الابتلاء - بزاد الطريق..


وفي اختصار وإجمال يشير السياق إلى الرسل بعد نوح، وما جاءوا به من البينات والخوارق وكيف تلقاها المكذبون الضالون:


{ثم بعثنا من بعده رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات، فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل، كذلك نطبع على قلوب المعتدين}..


فهؤلاء الرسل جاءوا قومهم بالبينات. والنص يقول: إنهم ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل.. وهذا يحتمل أنهم بعد مجيء الآيات ظلوا يكذبون كما كانوا قبلها يكذبون. فلم تحولهم الآيات عن عنادهم. كما يحتمل أن المكذبين جماعة واحدة على اختلاف أجيالهم، لأنهم ذوو طبيعة واحدة. فهؤلاء ما كان يمكن أن يؤمنوا بما كذب به أسلاف لهم، أو بما كذبوا هم به في أشخاص هؤلاء الأسلاف! فهم منهم، طبيعتهم واحدة، وموقفهم تجاه البينات واحد. لا يفتحون لها قلوبهم، ولا يتدبرونها بعقولهم. وهم معتدون متجاوزون حد الاعتدال والاستقامة على طريق الهدى، ذلك أنهم يعطلون مداركهم التي أعطاها الله لهم ليتدبروا بها ويتبينوا. وبمثل هذا التعطيل، تغلق قلوبهم وتوصد منافذها:


{كذلك نطبع على قلوب المعتدين}..


حسب سنة الله القديمة في أن القلب الذي يغلقه صاحبه ينطبع على هذا ويجمد ويتحجر، فلا يعود صالحاً للتلقي والاستقبال.. لا أن الله يغلق هذه القلوب ليمنعها ابتداء من الاهتداء. فإنما هي السنة تتحقق مقتضياتها في جميع الأحوال.


فأما قصة موسى فيبدؤها السياق هنا من مرحلة التكذيب والتحدي، وينهيها عند غرق فرعون وجنوده، على نطاق أوسع مما في قصة نوح، ملماً بالمواقف ذات الشبة بموقف المشركين في مكة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وموقف القلة المؤمنة التي معه.


وهذه الحلقة المعروضة هنا من قصة موسى، مقسمة إلى خمسة مواقف، يليها تعقيب يتضمن العبرة من عرضها في هذه السورة على النحو الذي عرضت به.. وهذه المواقف الخمسة تتتابع في السياق على هذا النحو:


{ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا، فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين. فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا: إن هذا لسحر مبين. قال موسى: أتقولون للحق لما جاءكم، أسحر هذا؟ ولا يفلح الساحرون. قالوا: أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا، وتكون لكما الكبرياء في الأرض؟ وما نحن لكما بمؤمنين}..


والآيات التي بعث بها موسى إلى فرعون وملئه هي الآيات التسع المذكورة في سورة الأعراف. ولكنها لا تذكر هنا ولا تفصل لأن السياق لا يقتضيها، والإجمال في هذا الموضع يغني. والمهم هو تلقي فرعون وملئه لآيات الله:


{فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين}..


{فلما جاءهم الحق من عندنا}..


بهذا التحديد.. {من عندنا}.. ليصور شناعة الجريمة فيما قالوه عن هذا الحق الصادر من عند الله:


{قالوا: إن هذا لسحر مبين}..


بهذا التوكيد المتبجح الذي لا يستند مع هذا إلى دليل.. {إن هذا لسحر مبين}.. كأنها جملة واحدة يتعارف عليها المكذبون في جميع العصور! فهكذا قال مشركو قريش، كما حكي عنهم في مطلع السورة، على تباعد الزمان والمكان، وعلى بعد ما بين معجزات موسى ومعجزة القرآن!


{قال موسى: أتقولون للحق لما جاءكم. أسحر هذا؟ ولا يفلح الساحرون}..


وقد حذف من استنكار موسى الأول ما دل عليه الثاني. فكأنه قال لهم: أتقولون للحق لما جاءكم: هذا سحر؟ أسحر هذا؟ وفي السؤال الأول استنكار لوصف الحق بالسحر، وفي السؤال الثاني تعجيب من أن يقول أحد عن هذا إنه سحر. فالسحر لا يستهدف هداية الناس، ولا يتضمن عقيدة، وليس له فكرة معينة عن الألوهية وعلاقة الخلق بالخالق؛ ولا يتضمن منهاجاً تنظيمياً للحياة. فما يختلط السحر بهذا ولا يلتبس. وما كان الساحرون ليؤدوا عملاً يستهدف مثل هذه الأغراض، ويحقق مثل هذا الاتجاه؛ وما كانوا ليفلحوا وكل عملهم تخييل وتزييف.


وهنا يكشف الملأ عن حقيقة الدوافع التي تصدهم عن التسليم بآيات الله:


{قالوا: أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا، وتكون لكما الكبرياء في الأرض؟ وما نحن لكما بمؤمنين}..


وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة، التي يقوم عليها نظامهم السياسي والاقتصادي. وهو الخوف على السلطان في الأرض، هذا السلطان الذي يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة.


إنها العلة القديمة الجديدة، التي تدفع بالطغاة إلى مقاومة الدعوات، وانتحال شتى المعاذير، ورمي الدعاة بأشنع التهم، والفجور في مقاومة الدعوات والدعاة.. إنها هي {الكبرياء في الأرض} وما تقوم عليه من معتقدات باطلة يحرص المتجبرون على بقائها متحجرة في قلوب الجماهير، بكل ما فيها من زيف، وبكل ما فيها من فساد، وبكل ما فيها من أوهام وخرافات. لأن تفتح القلوب للعقيدة الصحيحة، واستنارة العقول بالنور الجديد، خطر على القيم الموروثة، وخطر على مكانة الطغاة ورهبتهم في قلوب الجماهير، وخطر على القواعد التي تقوم عليها هذه الرهبة وتستند. إنها الخوف على السلطان القائم على الأوهام والأصنام! وعلى تعبيد الناس لأرباب من دون الله.. ودعوة الإسلام - على أيدي الرسل جميعاً - إنما تستهدف تقرير ربوبية الله وحده للعالمين؛ وتنحية الأرباب الزائفة التي تغتصب حقوق الألوهية وخصائصها، وتزاولها في حياة الناس. وما كانت هذه الأرباب المستخفة للجماهير لتدع كلمة الحق والهدى تصل إلى هذه الجماهير. ما كانت لتدع الإعلان العام الذي يحمله الإسلام بروبية الله وحده للعالمين وتحرير رقاب البشر من العبودية للعباد.. ما كانت لتدع هذا الإعلان العام يصل إلى الجماهير؛ وهي تعلم أنه إعلان بالثورة على ربوبيتهم، والانقلاب على سلطانهم، والانقضاض على ملكهم، والانطلاق إلى فضاء الحرية الكريمة اللائقة بالإنسان!


إنها هي هي العلة القديمة الجديدة كلما قام من يدعو إلى الله رب العالمين!


وما كان رجال من أذكياء قريش مثلاً ليخطئوا إدراك في رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - من صدق وسمو، وما في عقيدة الشرك من تهافت وفساد. ولكنهم كانوا يخشون على مكانتهم الموروثة، القائمة على ما في تلك العقيدة من خرافات وتقاليد. كما خشي الملأ من قوم فرعون على سلطانهم في الأرض، فقالوا متبجحين:


{وما نحن لك بمؤمنين}!


وتعلق فرعون وملؤه بحكاية السحر، وأرادوا - في أغلب الظن - أن يغرقوا الجماهير بها، بأن يعقدوا حلقة للسحرة يتحدون بها موسى وما معه من آيات تشبه السحر في ظاهرها، ليخرجوا منها في النهاية بأن موسى ليس إلا ساحراً ماهراً. وبذلك ينتهي الخطر الذي يخشونه على معقتداتهم الموروثة، وعلى سلطانهم في الأرض، وهو الأساس.. ونرجح أن هذه كانت الدوافع الحقيقية لمهرجان السحرة، بعدما أفصح القوم عن شعورهم بالخطر الحقيقي الذي يتوقعونه:


{وقال فرعون: ائتوني بكل ساحر عليم. فلما جاء السحرة قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون. فلما ألقوا قال موسى: ما جئتم به السحر، إن الله سيبطله، إن الله لا يصلح عمل المفسدين، ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون}..


ونلاحظ هنا اختصاراً في موقف المباراة، لأن نهايته هي المقصودة. وفي قولة موسى: {ما جئتم به السحر}..


رد على تهمة السحر التي وجهت إليه. فالسحر هو هذا الذي يصنعه هؤلاء، لأنه ليس أكثر من تخييل وسحر للأنظار لا هدف له إلا اللعب بالعقول، لا تصحبه دعوة، ولا تقوم عليه حركة. فهذا هو السحر لا آيات الله التي جاءهم بها حقاً من عند الله.. وفي قوله:


{إن الله سيبطله}..


تتجلى ثقة المؤمن الواثق بربه، المطمئن إلى أن ربه لا يرضى أن ينجح السحر وهو عمل غير صالح:


{إن الله لا يصلح عمل المفسدين}..


الذين يضللون الناس بالسحر، أو الملأ الذين جاءوا بالسحرة بنية الفساد والإبقاء على الضلال:


{ويحق الله الحق بكلماته}..


كلماته التكوينية {كن فيكون}..


وهي تعبير عن توجه المشيئة. أو كلماته التي هي آياته وبيناته:


{ولو كره المجرمون}..


فإن كراهتهم لا تعطل مشيئة الله، ولا تقف دون آياته.


وقد كان.. وبطل السحر وعلا الحق.. ولكن السياق يختصر المشاهد هنا؛ لأنها ليست مقصودة في هذا المجال.


ويسدل الستار هنا ليرفع على موسى ومن آمن معه وهم قليل من شباب القوم لا من شيوخهم!. وهذا إحدى عبر القصة المقصودة.


{فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم. وإن فرعون لعال في الأرض. وإنه لمن المسرفين. وقال موسى: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين. فقالوا: على الله توكلنا، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين. وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً، واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين}.


ويفيد هذا النص أن الذين أظهروا إيمانهم وانضمامهم لموسى بن بني إسرائيل كانوا هم الفتيان الصغار، لا مجموعة الشعب الإسرائيلي. وأن هؤلاء الفتيان كان يخشى من فتنتهم وردهم عن اتباع موسى، خوفاً من فرعون وتأثير كبار قومهم ذوي المصالح عند أصحاب السلطان، والأذلاء الذين يلوذون بكل صاحب سلطة وبخاصة من إسرائيل. وقد كان فرعون ذا سلطة ضخمة وجبروت، كما كان مسرفاً في الطغيان، لا يقف عند حد، ولا يتحرج من إجراء قاس.


وهنا لا بد من إيمان يرجح المخاوف، ويطمئن القلوب، ويثبتها على الحق الذي تنحاز إليه:


{وقال موسى: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين}..


فالتوكل على الله دلالة الإيمان ومقتضاه. وعنصر القوة الذي يضاف إلى رصيد القلة الضعيفة أمام الجبروت الطاغي فإذا هي أقوى وأثبت. وقد ذكر لهم موسى الإيمان والإسلام. وجعل التوكل على الله مقتضى هذا وذاك.. مقتضى الاعتقاد في الله، ومقتضى إسلام النفس له خالصة والعمل بما يريد.


واستجاب المؤمنون لهتاف الإيمان على لسان نبيهم:


{فقالوا: على الله توكلنا}..


ومن ثم توجهوا إلى الله بالدعاء:


{ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين}..


والدعاء بألا يجعلهم الله فتنة للقوم الظالمين مقصود به ألا يمكن القوم الظالمين منهم، فيظن القوم أن تمكنهم من المؤمنين بالله دليل على أن عقيدتهم هم أصح ولذلك انتصروا وهزم المؤمنون! ويكون هذا استدراجاً لهم من الله وفتنة ليلجوا في ضلالهم. فالمؤمنون يدعون الله أن يعصمهم من تسلط الظالمين عليهم ولو لاستدراج الظالمين. والآية الثانية أصرح في النتيجة المطلوبة:


{ونجنا برحمتك من القوم الكافرين}..


ودعاؤهم الله ألا يجعلهم فتنة للقوم الظالمين، وأن ينجيهم برحمته من القوم الكافرين، لا ينافي الاتكال على الله والتقوِّي به. بل هو أدل على التوجه بالاتكال والاعتماد إلى الله. والمؤمن لا يتمنى البلاء، ولكن يثبت عند اللقاء.


وعقب هذا التميز، وفي فترة الانتظار بعد الجولة الأولى، وإيمان من آمن بموسى، أوحى الله إليه وإلى هارون أن يتخذا لبني إسرائيل بيوتاً خاصة بهم، وذلك لفرزهم وتنظيمهم استعداداً للرحيل من مصر في الوقت المختار؛ وكلفهم تطهير بيوتهم، وتزكية نفوسهم، والاستبشار بنصر الله:


{وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً، واجعلوا بيوتكم قبلة، وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين}..


وتلك هي التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية. وهما معاً ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات. ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هي السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندي الخائر العقيدة لا تساوي شيئاً كثيراً في ساعة الشدة.


وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليست خاصة ببني إسرائيل، فهي تجربة إيمانية خالصة. وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذات يوم مطاردين في المجتمع الجاهلي، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة - وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة - وهنا يرشدهم الله إلى أمور:


* اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها -  ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها.


* اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي؛ وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح؛ وتزاول بالعبادة ذاتها نوعاً من التنظيم في جو العبادة الطهور.


واتجه موسى - عليه السلام - إلى ربه، وقد يئس من فرعون وملئه أن يكون فيهم خير، وأن تكون قد بقيت فيهم بقية، وأن يرجى لهم صلاح. اتجه إليه يدعو على فرعون وملئه، الذين يملكون المال والزينة، تضعف إزاءهما قلوب الكثيرين، فتنتهي إلى التهاوي أمام الجاه والمال، وإلى الضلال.. اتجه موسى إلى ربه يدعوه أن يدمر هذه الأموال، وأن يشد على قلوب أهلها فلا يؤمنوا إلا حيث لا ينفعهم إيمان. فاستجاب الله الدعاء:


{وقال موسى: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا. ربنا ليضلوا عن سبيلك. ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. قال: قد أجيبت دعوتكما، فاستقيما، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون}..


{ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا}..


ينشأ عنها إضلال الناس عن سبيلك، إما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين. وإما بالقوة التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم. ووجود النعمة في أيدي المفسدين لا شك يزعزع كثيراً من القلوب التي لا يبلغ من يقينها بالله أن تدرك أن هذه النعمة ابتلاء واختبار، وأنها كذلك ليست شيئاً ذا قيمة إلى جانب فضل الله في الدنيا والآخرة. وموسى يتحدث هنا عن الواقع المشهود في عامة الناس. ويطلب لوقف هذا الإضلال، ولتجريد القوة الباغية المضلة من وسائل البغي والإغراء، أن يطمس الله على هذه الأموال بتدميرها والذهاب بها، بحيث لا ينتفع بها أصحابها. أما دعاؤه بأن يشد الله على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فهو دعاء من يئس من صلاح هذه القلوب، ومن أن يكون لها توبة أو إنابة. دعاء بأن يزيدها الله قسوة واستغلاقاً حتى يأتيهم العذاب، وعندئذ لن يقبل منهم الإيمان؛ لأن الإيمان عند حلول العذاب لا يقبل، ولا يدل على توبة حقيقية باختيار الإنسان.


{قال: قد أجيبت دعوتكما}..


كتبت لها الإجابة وقضي الأمر.


{فاستقيما}..


في طريقكما وعلى هداكما حتى يأتي الأجل:


{ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون}..


فيخبطوا على غير علم، ويترددوا في الخطط والتدبيرات، ويقلقوا على المصير، ولا يعرفوا إن كانوا يسيرون في الطريق الهادي أم هم ضلوا السبيل.


والمشهد التالي هو مشهد التنفيذ.


{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً، حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين. آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين؟! فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون}..


إنه الموقف الحاسم والمشهد الأخير في قصة التحدي والتكذيب. والسياق يعرضه مختصراً مجملاً، لأن الغرض من سياقة هذه الحلقة من القصة في هذه السورة هو بيان هذه الخاتمة. بيان رعاية الله وحمايته لأوليائه، وإنزال العذاب والهلاك بأعدائه، الذين يغفلون عن آياته الكونية وآياته مع رسله حتى تأخذهم الآية التي لا ينفع بعدها ندم ولا توبة. وهو مصداق ما سبق في السورة من وعيد للمكذبين في قوله تعالى:{أية : 

ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون. ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله لكل أمة أجل، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قل: أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً، ماذا يستعجل منه المجرمون؟ أثم إذا ما وقع آمنتم به؟ آلآن وقد كنتم به تستعجلون؟!

}..

تفسير : فهنا يأتي القصص لصدق ذلك الوعيد:


{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}..


بقيادتنا وهدايتنا ورعايتنا. ولهذا الإسناد في هذا الموضع دلالته..


{فأتبعهم فرعون وجنوده}..


لا اهتداء وإيماناً، ولا دفاعاً مشروعاً. ولكن:


{بغياً وعدواً}..


وتجاوزاً للحد وطغياناً..


ومن مشهد البغي والعدو مباشرة إلى مشهد الغرق في ومضة:


{حتى إذا أدركه الغرق}..


وعاين الموت، ولم يعد يملك نجاة..


{قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين}..


لقد سقطت عن فرعون الباغي العادي المتجبر الطاغي.. كل أرديته التي تنفخ فيه فتظهره لقومه ولنفسه قوة هائلة مخيفة، ولقد تضاءل وتصاغر واستخذى. فهو لا يكتفي بأن يعلن إيمانه بأن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. فيزيد في استسلام..


{وأنا من المسلمين}..


المسلِّمينّ!


{آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين؟!}..


آلآن حيث لا اختيار ولا فرار؟ آلآن وقد سبق العصيان والاستكبار؟ آلآن؟!


{فاليوم ننجيك ببدنك}..


لا تأكله الأسماك، ولا يذهب منكراً مع التيار لا يعرف للناس. ذلك ليدرك من وراءك من الجماهير كيف كان مصيرك:


{لتكون لمن خلفك آية}..


يتعظون بها ويعتبرون، ويرون عاقبة التصدي لقوة الله ووعيده بالتكذيب:


{وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون}..


لا يوجهون إليها قلوبهم وعقولهم، ولا يتدبرونها في الآفاق وفي أنفسهم.


ويسدل الستار على المشهد النهائي في المأساة. مأساة البغي والفساد والتحدي والعصيان.. ويعقب السياق بلمحة سريعة عن مآل بني إسرائيل بعدها، تستغرق ما حدث في أجيال:


{ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق، ورزقناهم من الطيبات، فما اختلفوا حتى جاءهم العلم. إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة

شارك المقال

تعليقات

الأرشيف

نموذج الاتصال

إرسال